محمد متولي الشعراوي
9167
تفسير الشعراوي
له مَلَكَة معروفة لا تحتاج إلى دراسة أو تعليم . أما الأعاجم فلما دخلوا الإسلام ما كان لهم أنْ يتعلَّموا لغته إلا بهذه الدراسة لقواعدها . والحق تبارك وتعالى يقول هنا : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً } [ مريم : 74 ] لأنهم قالوا : { أَيُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً } [ مريم : 73 ] يريد أنْ يُدلِّل على أنهم حَمْقَى لا ينظرون إلى واقع الحياة ليروا عاقبة مَنْ كانوا أعزَّ منهم مكاناً ومكانة ، وكيف صار الأمر إليهم ؟ الحق تبارك وتعالى يردُّ على الكفار ادعاءهم الخيرية على المؤمنين ، فهذه الخيرية ليستْ بذاتيتكم ، بل هي عطاء من الله وفِتْنة ، حتى إذا أخذكم أخذكم عن عِزَّة وجاهٍ ؛ ليكون أنكى لهم وأشدَّ وأغَيظ ، أما إنْ أخذهم على حال ذِلَّة وَهَوان لم يكن لأخذه هذا الأثر فيهم . فالحق سبحانه يُملي لهم بنعمه ليستشرفوا الخير ثم يأخذهم ، على حَدِّ قول الشاعر : كَمَا أبرقَتْ قَوْماً عِطَاشاً غَمامَةً . . . فَلمَّا رأوْهَا أَقْشَعَتْ وتجلَّتِ فأطمعهم في البداية ، ثم أخذهم وخيَّب آمالهم في النهاية . وضربنا لذلك مثلاً بالأسير الذي بلغ به العطش مَبْلغاً ، فطلب الماء ، فجاءه الحارس بالماء حتى كان على فِيهِ ، واستشرف الريِّ منعه وحرمه لتكون حسرته أشد ، وألمهُ أعظم ، ولو لم يأتِه بالماء لكان أهونَ عليه .